في زمن الحرب، حين كانت الخرطوم مدينةً تمشي على جراحها، كان الصمت أحيانًا ضرورة، وكان ضبط الكلمة جزءًا من معركة البقاء.
لم تكن القيود التي فُرضت على حركة الإعلاميين ترفًا إداريًا ولا نزوة سلطة، بل كانت انعكاسًا لواقع مرتبك، تُدار فيه التفاصيل الصغيرة بمنطق الخطر الكبير.
يومها، صار مركز الشهيد عثمان مكاوي بوابة العبور الوحيدة بين الميدان والقلم، وبين الخبر والقرار، وكان على الصحفي أن يتخفف من أسئلته قبل أن يتسلح بتصاريحه.
لكن الحروب، مهما طالت، لا تصلح أن تكون نمط حياة. وحين تنقشع الغمّة، وتعود الخرطوم لتتنفس هواءها كعاصمةٍ قومية، لا كثكنةٍ مفتوحة، يصبح من الضروري أن نراجع ما اعتبرناه يومًا “ضرورات مرحلة”، فالاستثناء، إن طال، يتحول إلى عبء، والاحتراز إذا استدام، يقتل المعنى الذي وُجد من أجله.
اليوم، ونحن نرى ملامح الدولة تعود إلى وجه الخرطوم، يصبح من غير المنطقي أن يظل الإعلامي أسير إجراءات وُلدت في رحم الخوف.
لا يُعقل أن يُطلب من صحفي يسكن أقصى جنوب المدينة أن يقطعها طولًا وعرضًا ليحصل على إذن لتصوير حكاية من سوق الكلاكلة؛ حكاية الناس البسطاء، الذين هم أصل الخبر وروحه. فالصحافة، بطبيعتها، فعل قرب لا فعل مسافة، وشهادة لحظة لا انتظار ختم.
إن حرية الإعلام لا تعني الفوضى، كما أن الانضباط لا يعني الوصاية. بين الاثنين مساحة واسعة يمكن أن تُدار بالقانون، لا بالأوامر الطارئة، وبالثقة لا بالارتياب. فالإعلامي ليس خصمًا للدولة، بل مرآتها، وإن شُوّهت المرآة فلن يختفي العيب، بل سيظل قائمًا بلا تشخيص.
من هنا، يحدونا الأمل أن تقود وزارة الإعلام، بأجنحتها كافة، وعلى رأسها إدارة الإعلام الخارجي، جهدًا واعيًا لتيسير العمل الصحفي، وفتح الطرق أمام الكلمة المسؤولة، وتمكين الإعلاميين من أداء واجبهم بسهولةٍ تليق بدورهم وخطورة رسالتهم.
نريد إعلامًا حرًا بقدر ما هو ملتزم، جريئًا بقدر ما هو مهني، قريبًا من الناس دون أن يبتعد عن القانون.
فالخرطوم التي نجت من النار، لا يليق بها أن تعيش في ظل الأسلاك. والبلاد التي تبحث عن تعافٍ حقيقي، تحتاج إلى إعلامٍ يرى، ويسأل، ويكتب… بلا خوف، إلا من ضميره.
