عين الراصد

كأس العالم في بلاد “فوق القانون”

راصدون

يبدو أن الولايات المتحدة قررت أن تستضيف كأس العالم على طريقتها الخاصة: أهلاً بالعالم… ولكن بشروط!

فبينما اعتادت الدول المستضيفة أن تفتح أبوابها للمنتخبات والجماهير والإعلاميين باعتبارهم ضيوفا في عرس رياضي عالمي، تبدو واشنطن وكأنها تنظم بطولة للتدقيق الأمني أكثر من تنظيمها بطولة لكرة القدم.

رسالة أمريكا إلى العالم هذه الأيام لا تحتاج إلى مترجم: نحن فوق الجميع، وفوق القوانين، وفوق الأعراف الرياضية أيضا. ومن لا يعجبه الأمر، فالباب هناك… إذا سُمح له أصلا بالوصول إلى الباب!

مقالات ذات صلة

منتخبات تتحدث عن إجراءات تفتيش مهينة، ولاعبون وإداريون وصحفيون ومصورون وحكام يجدون أنفسهم عالقين بين طلبات التأشيرات وقرارات المنع والغموض البيروقراطي. بعضهم حصل على التأشيرة، ثم اكتشف أن التأشيرة ليست بالضرورة تصريحا بالدخول. وكأن البطولة تحولت من منافسة في كرة القدم إلى اختبار في فنون الهجرة والجوازات.

أما الفيفا، صاحبة الصوت الجهوري التي كانت تراقب قطر بعدسة مكبرة، وتحوّل أصغر الملاحظات إلى عناوين عريضة وتقارير مطولة، فقد أصابها صمتٌ مفاجئ يستحق الدراسة العلمية. المنظمة التي كانت تكتشف الأخطاء قبل وقوعها، وتسمع الهمسات من مسافات بعيدة، فقدت فجأة حاستي السمع والبصر.

في قطر كانت بعض وسائل الإعلام تبحث عن أي ثغرة لتعلن حالة الطوارئ الكونية، أما اليوم فحتى لو أطلقت الرصاصات قرب مقار إقامة بعض البعثات، أو تسللت الثعابين السامة إلى محيطها، فإن الجميع يتعامل مع الأمر باعتباره جزءا من “التجربة الأمريكية الفريدة”!

المفارقة أن كرة القدم وُجدت لتقريب الشعوب، بينما يبدو أن البطولة المقبلة مهددة بأن تتحول إلى مناسبة لتذكير العالم بمن يملك ختم الدخول ومن لا يملكه. وكأن الهدف الأول في كأس العالم لم يعد تسجيل الكرة في الشباك، بل النجاح في عبور بوابة المطار.

إن البطولة التي يفترض أن تحتفي بالتنوع والانفتاح العالمي، لا يمكن أن تُدار بعقلية الحواجز والأسوار والاشتباه الدائم. فالعالم يأتي إلى كأس العالم ضيفا، لا متهما. والمنتخبات تأتي لتلعب كرة القدم، لا لتخوض معارك إثبات حسن النوايا أمام موظفي الحدود.

وإذا استمرت هذه العقلية، فقد لا يتذكر الناس النسخة الأمريكية بسبب الأهداف الجميلة أو المباريات التاريخية، بل لأنها كانت البطولة التي حاول فيها العالم كله أن يدخل الملعب… فوجد نفسه أولا مطالبا باجتياز مباراة أصعب من كرة القدم نفسها: مباراة التأشيرات والتفتيش والاشتباه الدائم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى