
عند الظهيرة، لامست عجلات أول طائرة ركاب تابعة لشركة الخطوط الجوية السودانية مدرج مطار الخرطوم الدولي، الذي بدا أسود اللون ولامعًا بعد أعمال الصيانة الأخيرة، معلنة بدء عودة الحركة الجوية إلى العاصمة بعد توقف دام نحو ثلاث سنوات.
وتمثل هذه الرحلة أول رحلة تجارية تقل ركابًا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، في وقت لا تزال فيه العاصمة تعيش استقرارًا نسبيًا بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة الكاملة في مايو 2025.

وعلى الرغم من أهمية الحدث، فقد خلت ساحة المطار من الاحتفالات الرسمية، وحل مكانها هدوء حذر يكسوه الصمت، فيما يبرز المدرج المُعاد تأهيله، رغم أن أعمال الصيانة شملت نحو ثلث طول المدرج فقط، بينما يظل الثلثان الآخران قيد التأهيل.
وفي محيط المدرج، سُمح لعدد محدود من المواطنين بدخول المطار لاستقبال ذويهم، وسط إجراءات أمنية مشددة. وعندما فتحت أبواب الطائرة، نزل الركاب ببطء، وكأنهم لا يصدقون أنهم في الخرطوم، حيث سجد بعضهم على أرض المدرج، بينما أطلقت بعض النساء زغاريد مجلجلة، عكست فرحة عارمة بعد سنوات من القلق والانقطاع.
داخل الصالة الجنوبية (صالة الحج والعمرة) التي تضم أربع قاعات كبيرة وخطّي سير للأمتعة، انتظم موظفو الإجراءات الهجرية في مكاتب مطلية باللون الأخضر، وأنجزوا معاملات الركاب بسرعة وكفاءة، مقدمين ترحيبًا حارًا بالواصلين، في مشهد يعكس عودة تدريجية للنشاط التشغيلي بالمطار.

وقال محمد جعفر، أحد الركاب القادمين من بورتسودان، بصوت مرتجف من الفرحة: “لم أتخيل أن أعود إلى الخرطوم بهذه الطريقة. لحظة النزول كانت مشحونة بمزيج من الدهشة والسعادة، وكل خطوة على المدرج كانت كأنها بداية جديدة.”
وأضافت مسافرة أخرى، عائدة بعد سنوات إلى منزل أسرتها: “كنت قلقة قبل الرحلة، لكن التنظيم والاستعدادات في المطار جعلت التجربة سلسة ومطمئنة. رؤية المدينة من الجو بعد هذه السنوات شعرتني وكأنني أعيش حلمًا تحقق.”
ويعد مطار الخرطوم الدولي من أكثر المنشآت تضررًا جراء النزاع، حيث تعرض المدرج والمباني للقصف المتكرر، ما أدى إلى توقف كامل للرحلات، مع خسائر تقدر بـ 2.7 مليار دولار في قطاع الطيران بحسب بيانات وزارة النقل السودانية.
وتشير تقارير غير رسمية إلى تدمير ست طائرات بالكامل، بينما أظهرت دراسة لوكالة سند للتحقق الإخباري تدمير نحو 50 طائرة خلال الفترة من 2023 حتى 2025، إلى جانب أضرار جسيمة لحقت بحوالي 70 مبنى، منها برج المراقبة وصالة الركاب ومرافق الدفاع المدني.
وأوضح سر الختم بابكر، مدير عام شركة مطارات السودان، أن تشغيل المطار الداخلي يُعد خطوة أولى ضمن خطة إعادة التشغيل التدريجي، مؤكداً قدرة المطار على استقبال أربع طائرات في وقت واحد، مع الالتزام الكامل بتأمين جميع مرافقه. وأضاف: “نواجه تحديات كبيرة، منها نقص الكوادر الفنية وإمدادات الطاقة، لكننا واصلنا العمل لإنجاز المرحلة الأولية من الصيانة بما يتوفر من موارد.”

ومع عودة الرحلات الداخلية تدريجيًا، يقتصر التشغيل حاليًا على المسار بين الخرطوم وبورتسودان، على أن يستأنف التشغيل الدولي تدريجيًا بعد استكمال أعمال التأهيل واستقرار الوضع الأمني.

