
في القاموس السوداني، ظهرت مع سنوات الحرب المتطاولة مفردة لم تولد من رحم اللغة، بل خرجت من شقّ مظلم في الروح… كلمة قصيرة، حادّة، تُقال بلا تفكير، لكنها تحمل في طياتها من القبح ما يفوق ضجيج الرصاص نفسه: “بل بس”.
هذه الكلمة التي بدأت همساً في زوايا النقاشات، صارت اليوم شبحاً يحوم فوق الأحاديث، تُطلق كالرصاصة على وجه كل مأساة، وتستخدم كختمٍ سريع يُجيز الخراب ويبرّر الانهيار، كأنما الدم تفصيل عابر، وكأن الوطن غرفة يمكن إغلاق بابها بجملة واحدة.
“بل بس” ليست مجرد مفردة، بل مزاجٌ كامل…
مزاج يشبه الضحك في جنازة، أو الاحتفاء في لحظة انطفاء.
إنها لغة جمهورٍ اعتاد الحرب حتى صار الموت جزءاً من يومياته، ففقد الحسّ بوطأة الفقد، وتحوّلت المآسي عنده إلى مادة للجدل والسخرية والتشجيع، وكأن ما يجري في السودان مباراة لا وطن.
هذه الكلمة، بكل قِصَرها، تحمل جريمة كاملة:
إنها تُطفئ الأسى قبل أن ينطق، وتُخرس الألم قبل أن يُسمع، وتقطع الطريق على التعاطف الذي كان ذات يوم إحدى فضائل السودانيين.
“بل بس” هي إعلان صريح عن سقوط الحسّ الإنساني من أعلى شجرة الأخلاق، واعتراف خفي بأن القلوب صارت أكثر صلابة من حجارة الجبال.
إن أخطر ما فعله هذا التعبير أنه شرعن اللامبالاة، وجعل استمرار الحرب أمراً اعتيادياً، وحوّل المأساة الوطنية إلى مادة استهلاك يومي، تُناقش بخفة، وتُطوى بخفة أكبر.
فحين تُقال “بل بس” على مشهد خراب، فهي لا تبرّر الفعل فحسب، بل تفتح الباب لخرابٍ آخر، وتشجّع يداً أخرى على الضغط على الزناد.
في مواجهة هذه اللغة المشوهة، يحتاج السودان إلى أن يستعيد صوته القديم… صوت الرحمة، والحياء من الدم، والوجل أمام حزن الآخرين. السودانيون الذين كانوا يبكون لجارٍ فقد دابته، كيف صار بعضهم اليوم لا يهتزّ لسقوط مدنٍ بأكملها؟
إن اللغة ليست كلمات وحروفاً فقط؛ إنها مرايا الأخلاق.
وعندما يتلوث اللسان، فذلك يعني أن الروح سبقه إلى التلوث.
لذلك، لن يكون الخلاص في وقف إطلاق النار وحده، ولا في اتفاق سياسي مسرّع، بل في عودة الوجدان إلى مكانه الصحيح… أن يتطهّر الكلام أولاً، أن يُمحى من القاموس ما دَنّس إنسانيتنا، وأن تُدفن “بل بس” في المقابر نفسها التي دفنت فيها ضمائر الحرب.
فالشعوب التي تهزمُ قبحَ لغتها،
تهزمُ بعدها كلَ أنواع القبح الأخرى.
