أعلنت الحكومة البريطانية فرض عقوبات على عدد من قادة الدعم السريع، وكان اللافت – بل المدهش – أن تشمل القائمة اسم القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، الشهير بـ«أبو لولو».
وهنا، لا بد أن يتوقف القارئ قليلًا، لا ليصفّق، بل ليتساءل: أي عبقرية سياسية هذه التي تهبط فجأة من ضباب لندن لتكتشف أن خلاص السودان يبدأ من تجميد أموال رجل لا يملك في جيبه سوى رصاصٍ صدئ وخريطة نهب؟
العقوبات، في معناها الكلاسيكي، أداة ضغط ذكية: تُجفّف منابع المال، تُقفل بوابات السفر، وتحوّل حياة المستهدَف إلى سلسلة من الأبواب المغلقة. لكن حين تُطبّق على «أبو لولو»، فإنها تتحول من أداة سياسية إلى مشهد كوميدي عبثي، أقرب إلى إصدار قرار بحظر السباحة على سمكة، أو منع الطيران عن غرابٍ لا يعرف أصلًا سوى التحليق فوق الخراب.
ما الذي ستجمده بريطانيا تحديدًا؟
حساب أبو لولو في بنك «باركليز»؟
وديعة استثماره في حيّ «كناري وارف»؟
أم محفظته الرقمية التي يدير بها استثماراته العابرة للقارات؟
الرجل، ببساطة، لا يمتلك شيئًا مما تخشاه العقوبات. لا حسابات في الخارج، لا تأشيرات في الجيب، ولا حلم مؤجل بزيارة لندن لمتابعة مباراة لمانشستر سيتي أو استكمال دراسة الطب في جامعة عريقة.
هو ابن الفوضى الخالصة، يعيش على اقتصاد النهب، ويتغذى على انهيار الدولة، ويتنقل حيث لا تسأل المطارات عن جوازات، ولا تعرف البنوك معنى الاسم.
هنا تتجلى المفارقة الكبرى: الدول الغربية، بكل ثقلها السياسي وخبرتها الطويلة في إدارة الأزمات، لا تزال تتعامل مع المأساة السودانية بعقلية «إجراء شكلي» يريح الضمير ولا يغيّر الواقع.
تعاقب الحلقة الأضعف في السلسلة، وتترك اليد التي تمسك بالخيوط، وتكتفي ببيانات أنيقة تُقرأ جيدًا في قاعات البرلمان، ولا يسمع صداها طفلٌ واحد تحت القصف.
إن معاقبة «أبو لولو» ليست عدالة، بل تهرّب أنيق منها. هي محاولة لإقناع الرأي العام بأن شيئًا ما قد فُعل، بينما الحقيقة أن الجريمة أكبر، والشبكة أعقد، والمسؤولين الحقيقيين ما زالوا خارج القوائم، ينظرون من بعيد ويبتسمون.
في السودان، لا تُوقف الحروب بمعاقبة «الهمباتة»، بل بمساءلة من سلّحوهم، ومَن موّلوهم، ومن وفّر لهم الغطاء السياسي والدبلوماسي. أما غير ذلك، فليس سوى مسرحية قصيرة، بطلها اسمٌ عابر، وجمهورها ضمير دولي يبحث عن قيلولة مريحة.
