عين الراصد

فائز الفكي يكتب : همس عذراء يفضح وجع الحرب

راصدون

كان صوتها ينسلّ خافتًا كخيط هواء يمرّ عبر جدار من الدخان. عذراء، ذات التسع سنوات، لا تزال تُمسك طرف ثوب أمها وهي تحدّق في الفراغ، وكأن شيئًا ما في الطريق الطويل ما يزال يطارد خطواتها الصغيرة.

عندما بدأت تروي، كان الألم يسبق الكلمات، يخرج منها كهمسٍ مثقل بذاكرة أكبر من عمرها: “رأينا جثثًا، ودمارًا، وأناسًا متعبين من المشيومصابين ينزفون.

جملة قصيرة، لكنها تحمل وقعًا أشد قسوة من كل المسافات التي قطعتها قدماها الحافيتان بين مخيم زمزم في الفاشر ومدينة طويلة. الرحلة التي كان ينبغي أن تكون مجرد انتقال من مكان لآخر، تحولت أمام عيني طفلة إلى ممرّ من الرعب الممتد، وإلى اختبار قاسٍ للإنسانية كلها.

كانت عذراء تمسك بيد أخيها الصغير، تشده تارة وتجرّه تارة أخرى. تقول أمها إنهم أمضوا ساعات طويلة يسابقون الخوف، يختبئون خلف أكوام تراب، أو خلف جدران متشققة، أو في ظلال لا تكاد تحجب شيئًا من الخطر. كان الهواء نفسه مرهقًا من الدخان، وكانت الأرض ممتلئة بآثار الراحلين… بصمتهم، بدمهم، بخوفهم الذي التصق بالتراب.

كلما اقتربوا من طويلة، كانت رائحة الازدحام الممزوج بالألم تزداد وضوحًا. أصبحت المدينة، رغم هشاشتها وروحها المنهكة، قبلة لعشرات الآلاف من الهاربين من نار الحرب. أطفال يحملون أطفالًا، أمهات يحملن بيوتًا كاملة فوق رؤوسهن، رجال فقدوا كل شيء ما عدا القدرة على السير.

في ذلك المكان، كانت الطفولة تُختبر أمام جرح مفتوح. أطفال يلعبون لأن اللعب هو الشيء الوحيد الذي يمكن إنقاذه، ثم يتوقفون فجأة حين تمرّ ذكرى أو مشهد أو صوت يعيدهم إلى الطريق الطويل.

أما عذراء، فكانت تنظر حولها كمن يفتش عن مقعدها القديم في مدرسة اختفت، عن حقيبة مدرسية تركتها خلفها، أو عن دمية كانت آخر ما اقتنصته من عالمها قبل أن ينفجر كل شيء. وحين سألوها عما تريد، لم تطلب الطعام ولا الماء… قالت فقط:

“أريد ألا يموت أحد بعد اليوم.

عبارة قصيرة، لكنها تلخص صرخة الأطفال جميعًا. تلخص عجز العالم أمام عينين صغيرتين تثقلان بالأسى. فالحروب لا تقتل الأجساد فقط، بل تسرق الطفولة، وتحول المسافات الآمنة إلى محطات خوف، وتحوّل صوت الضحك إلى همسٍ مكسور.

لا ينبغي لطفلة في التاسعة أن تعرف معنى الجثث، ولا أن تُميز بين أصوات السلاح، ولا أن تتعلم فن الهرب، ولا أن تحفظ طريق النزوح عن ظهر قلب. لا ينبغي لأي طفل أن يجرّ حقيبته فوق الأرض بحثًا عن مكان لا يسقط فيه الرصاص.

يجب أن ينتهي العنف.ليس لأن البيانات تقول ذلك، بل لأن عذراء قالت ذلك. لأن أطفال طويلة وزمزم والفاشر قالوه بدموعهم قبل كلماتهم.

ولأن العالم — مهما طال الصمت — مدين لهم بأن يضع حدًا لهذه الرحلة التي لا تليق بقلب طفل.

كلمات عذراء،ذات التسع سنوات، تفضح وجع الحرب
كلمات عذراء،ذات التسع سنوات، تفضح وجع الحرب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى