للحروب دائما فاتورة، لكنها نادرا ما تُدفع دفعة واحدة. في البداية يسمع الناس دوي المدافع ويرون أعمدة الدخان، ثم يظنون أن المأساة كلها هناك، عند خطوط النار. غير أن الوجه الأكثر قسوة للحرب لا يظهر إلا بعد سنوات، حين تتسلل آثارها إلى موائد الطعام، وإلى جيوب الناس، وإلى أحلامهم الصغيرة التي كانت تبدو يوما ممكنة.
بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب في السودان، لم تعد الكارثة مجرد أخبار عن معارك ونزوح ودمار. لقد بدأت ملامحها الاقتصادية ترتسم بوضوح على وجه البلاد. الأسعار ترتفع بلا رحمة، والسلع تتناقص، والقدرة الشرائية تتآكل يوما بعد يوم، بينما يواصل الجنيه السوداني رحلة الهبوط أمام العملات الأجنبية كأنه حجر أُلقي في بئر بلا قاع.
إنه انهيار صامت، لكنه أكثر ضجيجا من أصوات المدافع. فالجوع لا يحتاج إلى انفجار كي يسمعه الناس، والضيق لا يحتاج إلى صفارات إنذار كي يشعروا به. يكفي أن يعود الموظف إلى منزله وقد تبخر راتبه قبل منتصف الشهر، وأن يقف الأب عاجزا أمام احتياجات أسرته، وأن تنظر الأم إلى قائمة المشتريات فتكتشف أن ما كان ممكنا بالأمس أصبح حلما بعيد المنال اليوم.
المؤلم أن هذا التدهور لا يبدو أنه يثير قدرا كافيا من القلق لدى السلطة التنفيذية. فحكومة كامل إدريس، حتى الآن، تبدو وكأنها تعيش في عالم موازٍ. لا مبادرات اقتصادية واضحة، ولا رؤية معلنة لمعالجة الأزمة، ولا خطوات استثنائية تتناسب مع حجم الكارثة. كأن البلاد لا تمر بأخطر أزمة اقتصادية في تاريخها الحديث، وكأن معاناة الناس مجرد أرقام في تقارير لا يقرؤها أحد.
الحكومات لا تُقاس بخطاباتها، بل بقدرتها على استشعار الخطر قبل أن يتحول إلى كارثة شاملة. وما يبعث على القلق أن الحكومة تبدو بلا خطة واضحة، وبلا استراتيجية يمكن أن تمنح المواطنين أملاً في أن هناك ضوءا في نهاية هذا النفق الطويل. فالاقتصاد لا ينتظر، والأسواق لا تمنح مهلا إضافية، والأزمات حين تُترك بلا معالجة تتضاعف تلقائيا.
السودانيون الذين تحملوا ويلات الحرب والنزوح وفقدان الأحبة، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة معركة أخرى لا تقل قسوة: معركة البقاء الاقتصادي. وهي معركة لا تُخاض بالسلاح، بل بالسياسات الرشيدة والإدارة الكفؤة والقرارات الشجاعة.
لقد أرهقت الحرب البلاد، واستنزفت مواردها، ومزقت نسيجها الاجتماعي، لكن الأخطر أن تستمر حالة الإنكار أو البطء أو العجز في مواجهة تداعياتها الاقتصادية. فالأوطان لا تنهار فقط عندما تسقط القذائف، بل قد تنهار أيضا عندما يفقد الناس الثقة في أن هناك من يدير شؤونهم ويفكر في مستقبلهم.
ولعل السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: إلى أين وصلت الحرب؟ بل: إلى أين يمضي السودان اقتصاديا إذا استمرت الحرب، واستمرت معها حالة الغياب الرسمي عن مواجهة أخطر تداعياتها؟
ذلك هو السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته، بينما ترتفع الأسعار كل صباح، ويتراجع الجنيه كل مساء، وتتآكل أحلام البسطاء بينهما.
