كنت أظن أن أكثر الأبواب صعوبة في الفتح هي أبواب كليات الطب، لكنني اكتشفت مؤخرا أن الأصعب منها بكثير هو باب المعلومة في جامعات سودانية.
قبل أيام قررت أن أستفسر عن تسجيل ابنتي في كلية الطب بجامعة السودان العالمية. كل ما فعلته أنني فتحت تطبيق واتساب وأرسلت تحية بسيطة إلى رقم التسجيل الرسمي للجامعة.
القصة ببساطة شديدة. أب يبحث عن مستقبل ابنته. هاتف ذكي. رقم واتساب رسمي لقسم التسجيل. ورسالة مهذبة لا تتجاوز حدود التحية. لم أطلب مقابلة مدير الجامعة، ولم أسأل عن أسرار الموازنة العامة للدولة، ولم أطلب الاطلاع على ملفات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. مجرد تحية عادية أرسلتها إلى جهة يفترض أن مهمتها الأساسية هي استقبال استفسارات الطلاب وأولياء أمورهم.
خمسة أيام كاملة مرت قبل أن يصل الرد.
خمسة أيام من الصمت المهيب الذي يليق بإعلان اكتشاف كوكب جديد أو انتظار نتائج بعثة فضائية إلى المريخ.
ثم جاءت الرسالة المنتظرة.
كلمة واحدة فقط:
“هلا”.
لا معلومات، لا ترحيب مهني، لا تعريف بالجهة، لا حتى جملة مكتملة الأركان. مجرد كلمة يتيمة وصلت بعد رحلة انتظار أطول من بعض مراحل القبول الجامعي نفسها.
ابتلعت دهشتي، وافترضت حسن النية، وأرسلت سؤالي مباشرة: “بسأل عن التسجيل لطالبة بكالوريوس كلية الطب والجراحة العامة”.
ثم بدأت مرحلة الانتظار الثانية.
ستة أيام أخرى.
ستة أيام كاملة كانت كافية لتغيير حكومات، وعقد قمم دولية، وإطلاق مفاوضات سلام، وربما لإنجاز عملية زراعة قلب في كلية الطب التي كنت أسأل عنها.
وأخيراً جاء الرد.
وجاء مقتضباً بصورة تكاد تستحق الدخول إلى موسوعة غينيس للأرقام القياسية في الاختصار الإداري.
كلمة واحدة فقط:
“قفل”.
هكذا.
دون نقطة في نهايتها.
دون تفسير قبلها.
ودون أي رحمة بعدها.
“قفل”.
توقفت طويلاً أمام هذه الكلمة العبقرية.
قفل ماذا؟
هل قفل التسجيل؟
أم قفلت كلية الطب؟
أم قفل العام الدراسي؟
أم قفلت الجامعة أبوابها في وجه السائلين؟
أم أن الكلمة تلخص وضع التعليم العالي كله؟
ولأي دفعة كان التسجيل مفتوحاً أصلاً؟
ومتى أغلق؟
ومتى سيفتح؟
وهل توجد إجراءات انتظار أو تقديم مسبق؟
وهل توجد مقاعد شاغرة؟
وهل توجد خطة للعام الجديد؟
كل هذه الأسئلة اختنقت داخل أربعة أحرف فقط.
“قفل”
في الجامعات المحترمة حول العالم، تكفي رسالة قصيرة ليصلك خلال ثوانٍ رد إلكتروني يحتوي على دليل القبول، وشروط التسجيل، والرسوم الدراسية، والتقويم الأكاديمي، وأرقام التواصل، والبريد الإلكتروني، وروابط الموقع الإلكتروني، بل وربما مقطع فيديو يشرح لك خطوات التقديم خطوة بخطوة.
أما في تجربتنا المحلية، فقد نجحت بعض المؤسسات في ابتكار مدرسة إدارية جديدة يمكن تسميتها بـ”التواصل بالحد الأدنى من الكلمات”.
مدرسة تؤمن بأن المعلومة الكاملة تفسد شخصية السائل.
وأن الشرح التفصيلي نوع من الترف.
وأن الطالب أو ولي أمره يجب أن يمارس هواية التخمين.
وأن الحصول على معلومة أكاديمية ينبغي أن يشبه حل الألغاز الفرعونية.
ولعل أكثر ما يثير الأسى أن الحديث هنا ليس عن متجر صغير في زقاق مهجور، ولا عن بائع متجول انقطعت عنه شبكة الإنترنت، بل عن مؤسسة جامعية يفترض أنها تصنع الأطباء والمهندسين والإداريين وقادة المستقبل.
فالجامعات لا تُقاس بعدد مبانيها ولا بمساحة حرمها الجامعي ولا بصور حفلات التخرج المنشورة على صفحاتها الإلكترونية، وإنما تُقاس أولاً بمدى احترامها للإنسان الذي يطرق بابها طالباً للعلم.
وعندما ينتظر ولي أمر أحد عشر يوماً كاملة ليحصل على كلمتين فقط: “هلا” ثم “قفل”، فإن المشكلة ليست في التسجيل الذي أغلق أبوابه، بل في ثقافة مؤسسية كاملة يبدو أنها اعتادت إغلاق أبواب التواصل والعناية والاحترام.
صحيح أن الحرب أنهكت السودان، ودمرت كثيراً من مؤسساته، وأثقلت كاهل الجامعات والطلاب والعاملين فيها. لكن الحرب لم تدمر اللغة العربية، ولم تمنع كتابة جملة من خمسة أسطر توضح موقف التسجيل ومواعيده وشروطه. الحرب لم تمنع الرد المهني. والحرب لم تمنع الاحترام.
لقد خرجت من هذه التجربة بنتيجة وحيدة.
لم أعرف إن كان التسجيل في كلية الطب قد أغلق.
ولم أعرف متى سيفتح.
ولم أعرف شروط التقديم.
لكنني عرفت شيئاً واحداً بكل يقين:
أن الرسالة الأكثر تعبيراً عن واقع بعض مؤسساتنا التعليمية اليوم ليست رسالة ترحيب، ولا شعاراً أكاديمياً، ولا رؤية استراتيجية معلقة على الجدران.
إنها كلمة واحدة فقط:
“قفل”

