ما يُتداول عن انتشار قوة من القوات المشتركة داخل مدينة الدبة، وإقامة ارتكازات وسط الأحياء السكنية، وما صاحبه من توقيف شباب وإجبار بعضهم على حلاقة شعرهم تحت التهديد، إن صحّ، فهو أمر لا ينبغي أن يمر مرور الكرام، ولا يجوز التعامل معه باعتباره مجرد تجاوز عابر. فمثل هذه الممارسات تمس جوهر فكرة الدولة، وتفتح أبواباً أوصدها السودانيون بدمائهم وتضحياتهم.
لقد دفع هذا الشعب ثمناً باهظاً منذ الخامس عشر من أبريل 2023. آلاف القتلى والجرحى، مبتورو الأطراف، ملايين المهجرين والنازحين، ومدن دُمّرت، واقتصاد انهار، وأحلام أجيال تبعثرت. كل ذلك لأن قوة مسلحة قررت أن تضع نفسها فوق الدولة والقانون.
فهل يُعقل، بعد كل هذا، أن نقبل بتكرار المشهد نفسه ولكن بوجوه مختلفة؟
إن القضية ليست في اسم القوة، وإنما في السلوك. فحين تصبح البنادق هي التي تفرض هيبتها على المواطنين، وحين يشعر الناس أن من يحكم الشارع هو المسلح لا القانون، فإننا نكون قد بدأنا السير في الطريق ذاته الذي قاد السودان إلى الكارثة.
الدولة لا تُبنى بتعدد مراكز القوة، ولا تستعيد عافيتها عبر منح أي تشكيل مسلح حق التصرف خارج الضوابط العسكرية والقانونية. هيبة الدولة ليست شعاراً يُرفع في الخطب، وإنما ممارسة يومية عنوانها أن لا سلطة فوق سلطة القانون، ولا سلاح فوق سلاح الدولة.
وإذا كان شباب السودان قد تحملوا أهوال الحرب، وسالت دماؤهم، وفقد كثيرون أطرافهم، واضطر الملايين إلى النزوح والهجرة، فإنهم لو أرادوا أن يردوا الفوضى بالفوضى لفعلوا. لكنهم اختاروا الانضباط، واحترموا القيادة، وآثروا ألا ينزلق الوطن إلى حرب الجميع ضد الجميع. هذا الوعي الشعبي هو الذي ينبغي أن يُصان، لا أن يُختبر باستفزازات لا تخدم إلا أعداء الدولة.
الولاية الشمالية ظلت طوال الحرب واحة للأمن والاستقرار. فتحت أبوابها لكل من فر من جحيم المعارك، واحتضنت مئات الآلاف دون تمييز، وظلت نموذجاً للتكافل والتعايش. وليس من المقبول أن تتحول اليوم إلى ساحة استعراض للقوة، أو إلى مسرح لممارسات تُشعر المواطن بأن الخوف عاد إليه من جديد.
إن السكوت على التجاوزات الصغيرة هو الذي يصنع الكوارث الكبرى. وما بدأ به الدعم السريع قبل سنوات على أنه استثناء، انتهى إلى كارثة وطنية ما زالت البلاد تدفع ثمنها حتى اليوم. لذلك فإن التحذير ليس استهدافاً لأحد، بل دفاع عن الدولة، وعن المؤسسة العسكرية نفسها، وعن مستقبل السودان.
لن يقبل السودانيون أن يستبدلوا أفعى بأخرى. ولن يقبلوا أن يدفعوا ثمن الحرب مرتين؛ مرةً وهم يواجهون تمرداً دمّر البلاد، ومرةً أخرى وهم يشاهدون ممارسات تعيد إنتاج الأسباب ذاتها التي أوصلتنا إلى هذه المأساة.
هذه لحظة حسم، وعلى الدولة أن تثبت أن هيبتها ليست قابلة للتجزئة، وأن كرامتها وشرفها لا يمكن التنازل عنهما لأي جهة كانت. فإما أن يكون السودان دولة يحكمها القانون، أو نكون قد بدأنا، من حيث لا ندري، كتابة الفصل الأول من مأساة جديدة.
