في زمنٍ أصبح فيه الحزن جزءًا من الهواء، وفي أيامٍ صارت فيها المدن تتنفس بصعوبة تحت وطأة الدخان، يواجه السودان أخطر ما يمكن أن تواجهه أمة: حربٌ لا تريد أن تنتهي، ومشاريع تُحاك في الظل، تنتظر لحظة الضعف لتغرس خناجرها في جسد الوطن. فليست كل الحروب تنتهي بانطفاء المدافع… بعضها ينتهي بما هو أفظع: تقسيم الروح قبل الأرض، وتمزيق الذاكرة قبل الخرائط.
وفي غمار هذه العتمة، يظهر مشروع التقسيم كأخطر الأسلحة. لا يجيء صاخبًا ولا يطلب لنفسه ضوءًا، بل يتقدّم ببطء، متخفِّيًا في خطاب الحقد والكراهية، مجروحًا بعبارات التحريض، منتعشًا باختلافات كانت يومًا ما مصدر ثراء، فإذا بها تُحوّل إلى فواصل وجدران. يشتغل هذا المشروع على تفكيك كل ما هو مشترك: يفتت النهر، ويشرّح الجغرافيا، ويحاول أن يقنع الناس بأن ما كان يومًا عصبهم الواحد يمكن أن يتحول إلى مسارات متباعدة لا تلتقي.
لكن ثمة ما يتجاهله دعاة التجزئة: أن هذه الأرض وُلدت متحدّة بالفطرة.
فالنيل لم يسأل يومًا عن هوية قطرة الماء التي تنضم إليه، والجبال لم ترفض ظلال المسافر، والوديان لم تميّز بين أقدامٍ عبرتها في الشمال أو في الغرب أو في الشرق.
السودان لم يكن مشروعًا سياسيًا؛ كان حياة تتنفس في صدور الناس قبل أن تُكتب على الخرائط.
وما يتجاهله دعاة التجزئة: أن هذا الوطن — الذي تعاقبت عليه الفصول قبل الخرائط — أكبر من أن يُختصر في مربعات على ورق، أو تُختزل هويته في نزاع عابر.
ولذلك لا بد أن يعلو الصوت اليوم، صريحًا لا يخجل، قويًا لا يرتجف: لا… لا لمشاريع التقسيم التي تصوغها أيادٍ خبيثة، لا لحراثة الأرض بالكراهية، لا للمخططات التي تريد أن تُقصم ظهر وطنٍ صمد في وجه ما هو أعظم من الحروب.
ولأن الصوت لا يُكتمل بالرفض وحده، فثمة “نعم” يجب أن تُقال بصوت يليق بالذين ما زالوا يحلمون رغم الرماد: نعم للسلام… السلام الذي يعيد ترتيب الفوضى في صدورنا…
نعم لسودانٍ واحدٍ كاملٍ غير مجزأ، سودان نيله الأبيض والأزرق، وجباله التي تعرف خطوات الرعاة، ووديانٍ ظلت ملاذًا للقوافل منذ ألف عام، وصحاريه التي تلمع تحت الشمس كأنها صفحة من كتاب مقدس.
السلام ليس رفاهية، ولا شعارًا عابرًا؛ هو شجرة تحتاج إلى رعاية، وإلى أصوات لا تكلّ من الدفاع عنها. وأن تقول “نعم للسلام” في زمن الحرب هو أن تعلن تمردًا على القبح، وعلى لغة الرصاص، وعلى كل ما أراد أن يسرق من السودانيين نعمتهم الأجمل: وحدتهم.
إن البلاد، رغم كل الجراح، ما زالت تمتلك ما يجعلها تنهض: شعبًا يعرف قيمة التماسك، وذاكرةً أقوى من أن تنكسر، وروحًا لم تستطع سنوات البارود أن تفصلها عن بعضها. والسوداني، مهما طال الشتات، يعود آخر الليل إلى يقين واحد: أنه ابن هذه الأرض، وأن هذه الأرض لا تتكرر.
ليس الوطن قطعة تُنتزع، ولا ظلًّا يُبدّل، بل ذاكرة تعيش فينا حيثما مشينا. وإن كانت الحرب قد جرّبت أن تخيفنا، فلنجرب نحن أن نرفع صوتنا بما تبقّى من يقين في صدورنا: إن السودان سيبقى ما بقينا، واحدًا لا مثنّى له.
فلنهتف إذن — كلٌ بقدر ما يستطيع — أن السودان ليس للبيع، ولا للمساومة، ولا للتشريح.
إنه وطننا الذي وُلد ليبقى، واحدًا لا مثنّى له،
وما دمنا نرفع أصواتنا ضد التقسيم، ونرفع قلوبنا نحو السلام، سيظل السودان قائمًا، وسيظل النيل شاهدًا على أننا لم نخذل هذه الأرض يومًا…
