عين الراصد

فائز الفكى يكتب: التكايا… دفءٌ ضدّ العتمة

راصدون

في بلادٍ تئن تحت وطأة الحرب، حيث تتكسّر البيوت كأجنحة طيور متعبة، وتضيع المدن في دخانٍ لا ينقشع، يخرج شيء يشبه المعجزة من قلب الخراب… شيء اسمه التكايا.

هذه القدور البسيطة التي تغلي على نارٍ متعبة ليست مجرد طعام؛ إنها حياةٌ تُعاد صياغتها كل صباح، بيدين متسختين بالدقيق، وقلوبٍ أنظف من هذا العالم.

في أزقة اكتظت بالهاربين من الموت، تظهر التكايا كجزر مضيئة وسط بحر العوز. نساء يُشعلن الفحم قبل شروق الشمس، شباب يحملون أكياس الدقيق على أكتاف نحيلة، أطفال يراقبون بخجل صفوف المنتظرين… صفوف طويلة تمتد كجرح في الأرض، لكنها لا تفقد وقارها، لأنها ليست طابوراً للجوع فحسب، بل طابوراً للأمل.

كل وجبةٍ في التكية ليست لقمةً تُسدّ بها معدة؛
إنها رسالة تقول للنازحين:
«ما زلتم بين أهل، وما زال في هذا البلد قلبٌ ينبض».

في المخيمات التي صارت مدناً بلا أسماء،
وفي القرى التي صارت أكبر من قدرتها على الاحتمال،
تتدفق التكايا مثل نهر صغير يحاول أن يحفظ ما تبقى من إنسانية طافية فوق موج الحرب.

أمهاتٌ فقدن بيوتهن يجدن في صحن العدس ما يشبه الحضن.
شيوخٌ تعبوا من الطرقات الطويلة يجدون في كوب الشاي عزاءً لا يُقال.
أطفالٌ خرجوا من تحت القصف يجدون في قطعة خبز وعداً بأن الغد ليس عدواً دائماً.

التكايا ليست مبادرات…
بل لغة أخرى للسودانيين حين يخونهم الكلام وتنهكهم الفواجع.
إنها إرثٌ قديم يشبه صلاةً يومية، يتلوها الناس بصوت الشجن والرضا.
قدورٌ تبقى مشتعلة كي لا ينطفئ ما تبقى من المجتمع.

ورغم الجوع المتربص، ورغم ندرة ما يُطهى وما يُقدّم،
يجد الناس في التكايا معنى للطهو أكبر من الطعام،
ومعنى للجيرة أعمق من المشاركة،
ومعنى للوطن لا يشبه شعارات السياسة ولا ضجيج البنادق.

في زمنٍ يتقاسم فيه الجميع الخوف،
اختار السودانيون أن يتقاسموا اللقمة والرحمة.
وهكذا تحولت التكايا إلى الشريان الوحيد الذي لم تقطعه الحرب.
شريانٌ يمدّ البلاد بما تحتاجه أكثر من الخبز:
بأن نبقى بشراً، مهما اشتد الخراب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى