عين الراصد

فائز الفكى يكتب : حين تنهض العدالة من تحت الرماد

راصدون

في صباحٍ رماديّ يشبه ذاكرة دارفور الثقيلة، نطق قضاة المحكمة الجنائية الدولية بحكمٍ ظلّ الضحايا ينتظرونه عشرين عامًا كاملة، كأن الزمن نفسه كان يحبس أنفاسه.

عشرون عامًا من الدم والغبار والصرخات المدفونة في الصدر، انتهت بلحظة أعلنت بصوت القانون:

إن الجريمة لا تموت… وإن العدالة، مهما تأخرت، لا تنسى الطريق.

وفي ذلك الصباح، وقف القضاة في لاهاي ليقولوا ما ظلّ العالم كله يؤجّل قوله:

إن الدم الذي سال قبل عشرين عامًا… ما زال حيًّا،

وإن العدالة، وإن نامت طويلًا، لا تنام إلى الأبد.

الحكم بالسجن عشرين عامًا على (علي محمد علي عبد الرحمن)، المعروف بـ«علي كوشيب»، لم يكن مجرد خبرٍ قانوني يعبر نشرات الأخبار؛ بل كان كُوّة ضوء انفتحت في جدار الصمت، ونبضًا عاد إلى صدور أولئك الذين فقدوا كل شيء إلا إصرارهم على الحقيقة.

هذا الحكم لم يكن رقمًا يُسجَّل في دفتر المحكمة؛ كان ارتعاشة في صدر الأرض نفسها، كأن أرواح القرى المحروقة رفعت رأسها من تحت التراب لتتأكد أن العالم أخيرًا يسمع صداها.

فوق رمال دارفور، قبل أكثر من عقدين، حدث ما لا يُنسى:

قرى أُحرقت، وأجساد أُهينت، وأحلام صغيرة دُفنت تحت رماد الهلع.

القتل، الاغتصاب، التعذيب… جرائم حملتها الريح من وادٍ إلى آخر، ولم تستطع السنوات إخفاء رائحتها.

وبين كل هذا الخراب، كانت هناك عيون تنجو فقط لأنها تؤمن بأن يومًا ما سيأتي… يومٌ يُقال فيه للجلاد: لقد انتهى زمن الإفلات من العقاب.

واليوم، جاء هذا اليوم.

ليس لأن عشرين عامًا تكافئ كل تلك الأرواح التي غابت، ولا لأنها تردّ ما فُقد؛ بل لأن الحكم نفسه يشبه اعتذارًا من العالم لكل أمّ دفنت ابنها بلا شاهد، ولكل امرأة صرخت داخل غرفة مغلقة ولم يسمعها أحد، ولكل طفل أصبح عجوزًا قبل أوانه.

هل تكفي عشرون سنة في زنزانة لمعادلة عشرين عامًا من الفقد؟

بالطبع لا.

لكن العدالة ليست معادلة رياضية؛ العدالة قصة طويلة، يكفي فيها أن يُقال للجلاد: لقد رأيناك… حتى لو تأخر النظر.

يكفي أن يشعر الضحايا بأن العالم لم يطوِ صفحتهم، ولم يعامل دماءهم كحبرٍ يجفّ ثم يُمحى.

هذا الحكم لا يداوي الجراح… لكنه يذكّر بأن الجراح لها أسماء، ولها شهداء، ولها قصة لم تستطع الميليشيات دفنها مهما رفعت من سيوفها.

الحكم على كوشيب ليس نهاية الوجع؛ بل بداية الاعتراف، وبداية كتابة اسم الضحية بالحبر نفسه الذي يُكتب به اسم الجلاد.

إنه يثبت أن الألم لا يبلى، وأن دم المظلوم يكتب التاريخ حتى لو حاولت البنادق تمزيقه.

لقد ظنّ كثيرون أن دارفور ستُنسى، وأن صنّاع الخراب سيكتبون التاريخ كما يشتهون.

لكن العدالة جاءت بعد طول الغياب لتقول بصوتٍ ثابت:

إن الدم يحتفظ بذاكرته، وإن المظلوم لا يبقى وحيدًا إلى الأبد.

اليوم لا ينتصر القانون لكوشيب أو ضده؛ بل ينتصر لأولئك الذين عاشوا في ظل الخوف، ولأولئك الذين ما زالوا يعيشون فيه حتى الآن.

ينتصر لحقّ البشر في أن يُسمعوا، وفي أن يُقال للعالم:

إن ما حدث لم يكن إشاعة، ولا تضخيماً، ولا رواية متنازعًا حولها… بل حقيقة أثبتها القضاء كما أثبتها القلب قبل الورق.

وفي دارفور، حين يبلغ هذا الخبر من تبقّى على قيد الصبر، سيرفع أحدهم رأسه إلى السماء ويتمتم بما يشبه الدعاء:

«لم ننسَ… ولم يذهب ألمنا سدى».

إن الحكم رسالة لأولئك الذين نجوا من النار… لا لأنهم كانوا أقوى، بل لأن الموت كان منشغلًا بغيرهم تلك اللحظة.

وهي رسالة تقول:

إن ما رأيتموه لم يكن سرابًا، وما فقدتموه لم يذهب هباءً، وما حملتموه في الليل من صمتٍ وخوف ودموع… وصل أخيرًا إلى قاعةٍ باردة في لاهاي، ليصير شهادةً لا تُمحى.

الحكم على كوشيب ليس نهاية الطريق؛ بل بداية اعتراف دولي بأن العدالة، مهما بترتها السياسة، لا تزال قادرة على المشي… ولو متأخرة.

وللضحايا جميعًا، أولئك الذين رحلوا وأولئك الذين بقوا:

هذا الحكم ليس عزاءً، لكنه وعدٌ بأن أصواتكم لم تُطفأ،

وأن الليل، مهما طال، لا يستطيع أن يغطي الحقيقة إلى الأبد.

لأن الجريمة لا تسقط بالتقادم.

ولأن العدالة، مهما تأخرت… لا تموت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى