عين الراصد

حين تهتز الأرض… نتذكر هشاشتنا

راصدون / خاص

استيقظت عند الثالثة والنصف فجراً على رسالة من مديري المباشر. استغربت وصول رسالة في ذلك الوقت غير المعتاد، ففتحت هاتفي وبنصف عين قرأت كلماتها:

«وقع قبل نحو نصف ساعة زلزال في مصر، والهزّ الشديد أيقظنا من النوم، فخرجنا من مبنى الوكالة».

لم تكن الرسالة طويلة، لكنها حملت في كلماتها القليلة شيئاً من الارتباك الذي يسبق الفهم، ومن الخوف الذي يداهم الإنسان حين يشعر أن الأرض، التي اعتاد أن يطمئن إلى ثباتها، لم تعد ثابتة.

مقالات ذات صلة

كنت على بُعد آلاف الكيلومترات من مركز الزلزال، ومع ذلك سرت قشعريرة في جسدي. ربما لأنني لم أقرأ الخبر بوصفه رقماً عابراً في نشرة، بل استعدت في لحظة تجربة عشتها من قبل؛ ذلك الإحساس المفاجئ حين تهتز الأرض تحت قدميك، وتجد نفسك محاولاً الهروب من مبنى من ثلاثة عشر طابقاً، بينما تتزاحم الأسئلة في الرأس أسرع من حركة القدمين: هل يتوقف الاهتزاز الآن؟ هل أهبط أم أبقى؟ وهل هناك متسع من الوقت أصلاً؟

في تلك اللحظات، لا تبدو المباني الشاهقة رمزاً للقوة، ولا تبدو الجدران التي احتمينا بها يوماً حصناً كافياً. يصبح الإنسان كائناً صغيراً أمام حركة لا يراها، وقوة لا يستطيع إيقافها أو التفاوض معها.

إن الزلزال مخيف، ليس فقط بسبب ما قد يخلّفه من دمار، بل لأنه يزعزع واحداً من أعمق افتراضاتنا اليومية: أن الأرض مستقرة، وأن ما تحت أقدامنا مضمون.

فجر اليوم الإثنين، شعر سكان القاهرة وعدد من المحافظات المصرية بهزة أرضية بلغت قوتها 5.3 درجات على مقياس ريختر. وفي لحظات، انتقلت الهزة من باطن الأرض إلى البيوت وغرف النوم، ومن اهتزاز الجدران إلى قلق الناس وتساؤلاتهم.

ووفقاً لغرفة عمليات الهلال الأحمر المصري، وقعت الهزة قرابة الساعة الثالثة صباحاً، ما استدعى تفعيل خطط الطوارئ في المحافظات التي شعر سكانها بالزلزال، ومتابعة الموقف بالتنسيق مع الجهات المختصة.

ولم تصدر حتى الآن تقارير رسمية عن خسائر في الأرواح أو الممتلكات، فيما تواصل الجهات المعنية أعمال الرصد والتقييم، مع دعوات للمواطنين إلى استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية وتجنب الشائعات.

لكن بعيداً عن الأرقام والتقارير، يبقى للزلزال أثر آخر لا تقيسه أجهزة الرصد؛ ذلك الشعور الذي يتركه في النفس، حين تستيقظ على اهتزاز لا تعرف مصدره، وتدرك فجأة أن كثيراً مما نعدّه ثابتاً قد يتغير في ثوانٍ.

نحن نبني المدن، ونشيد الأبراج، ونرسم الخطط لسنوات طويلة، ثم تأتي هزة قصيرة لتذكرنا بأن القوة التي نتصورها في ما صنعته أيدينا ليست دائماً بالصلابة التي نعتقدها.

ربما لا يكون الخوف الذي يصاحب الزلازل علامة ضعف، بل استجابة إنسانية صادقة أمام حقيقة أكبر منا. ففي لحظة اهتزاز الأرض، تتراجع الفوارق، وتسقط الألقاب، ولا يبقى للإنسان سوى غريزة النجاة، والدعاء، والبحث عن مكان آمن.

وحين تهدأ الأرض، نعود إلى أسرّتنا وأعمالنا وأحاديثنا، وكأن شيئاً لم يحدث. لكن شيئاً ما يكون قد تغيّر في داخلنا؛ ندرك، ولو لفترة قصيرة، أننا أقل قدرة على التحكم في العالم مما نظن، وأن الطمأنينة التي نعيشها كل يوم ليست أمراً مضموناً، بل نعمة قد لا ننتبه إليها إلا حين تهتز الأرض من تحت أقدامنا.

لقد كان زلزال مصر، بالنسبة إلى كثيرين، هزة عابرة انتهت خلال ثوانٍ. أما بالنسبة إليّ، فقد كانت رسالة وصلت في الثالثة والنصف فجراً، وأعادت إليّ إحساساً قديماً لا تنساه الذاكرة:

أننا، مهما ابتعدنا، قد نرتجف من تجربة لم نعيشها في تلك اللحظة؛ لأن الخوف الإنساني لا يعرف الحدود، ولأن الأرض التي نحسبها ثابتة قادرة، في لحظة واحدة، على أن تذكرنا بضعفنا، وقلة حيلتنا، وحاجتنا الدائمة إلى الرحمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى