عين الراصد

جسرٌ من لغة… وربيعٌ لا يعرف الانقطاع

راصدون

للسنة الثانية على التوالي، يحتفل مركز الماندرين للغة الصينية بعيد الربيع، رأس السنة الصينية الجديدة، تحت شعار بليغ الدلالة:

«جسر صداقة يربط وادي النيل بسور الصين»، وذلك في التاسع والعشرين من يناير الجاري بمدينة عطبرة، بولاية نهر النيل؛ المدينة التي أصبحت، في زمن التحولات الصعبة، مساحة آمنة للثقافة كما للإنتاج، وموطناً للمعنى حين يضيق الأفق.

وليس في الشعار مبالغة، ولا في الحدث طقسٌ احتفالي عابر؛ بل هو فعل ثقافي عميق، يكتسب معناه الكامل حين نضعه في سياقه الزمني والوطني الصعب.

هذا الاحتفال لا يكتفي بإحياء مناسبة ثقافية، بل يقدّم شهادة حية على أن العلاقات بين الشعوب لا تُدار فقط عبر الاتفاقيات والبروتوكولات، وإنما تُصان وتُجدَّد عبر اللغة، والمعرفة، والعمل الصبور. هنا، في قلب السودان، وبين ضغوط الحرب وتعقيداتها، تتواصل حكاية صداقة قديمة بين الشعبين السوداني والصيني، قائمة على الاحترام المتبادل، والتفاهم، والإيمان بقوة الثقافة في تجاوز الجغرافيا والأزمات.

يمثّل مركز الماندرين حالة استثنائية بكل المقاييس. فهو المركز الوحيد النشط في مجال تعليم اللغة الصينية في السودان، ولم يتوقف عن أداء رسالته حتى في أحلك الظروف. لم تغلق الحرب أبوابه، ولم تُطفئ شغف القائمين عليه، بل زادته إصراراً على الاستمرار، وكأن اللغة هنا صارت شكلاً من أشكال المقاومة الهادئة، ومظهراً من مظاهر الصمود الذكي.

يدير المركز شباب سودانيون، بموارد ذاتية، وبإمكانات محدودة، لكن بطموح واسع ورؤية واضحة. ما يقومون به ليس نشاطاً تعليمياً فحسب، بل عملٌ دبلوماسي ثقافي غير معلن، يحفظ زخم العلاقة السودانية الصينية حين تتعثر القنوات الرسمية، ويقدّم وجهاً حضارياً للسودان في زمن تتكاثر فيه الصور القاتمة.

ومن هذا المنطلق، فإن المركز يستحق دعماً رسمياً على أعلى المستويات، لا بوصفه مؤسسة تعليمية فقط، بل باعتباره منصة استراتيجية للقوة الناعمة، وجسراً حقيقياً للتواصل بين وادي النيل وسور الصين. دعمٌ كهذا ليس منّة، بل استثمار في علاقة أثبتت التجربة أنها من أكثر علاقات السودان ثباتاً وعمقاً.

وهنا، لا بد من التوضيح: هذا المقال ليس مدحاً إنشائياً للمركز، ولا مجاملة عاطفية. لقد وقفتُ شخصياً على ما يقدّمه أولئك الشباب من عملٍ كبير، ورأيت كيف تُدار الفكرة بإخلاص، وكيف تتحول اللغة إلى مساحة أمل، والثقافة إلى رسالة صمود.

في زمنٍ تتكسر فيه الجسور، يصرّ مركز الماندرين على أن يبني جسراً جديداً…

جسرٌ من لغة،

وجسرٌ من احترام،

وجسرٌ يقول، بهدوءٍ وثقة:

إن الربيع يمكن أن يأتي، حتى في مواسم الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى