في لحظة صامتة مثل وجعٍ قديم، استيقظ السودانيون على خبر خروج بلادهم من التصنيف العالمي ومؤشر جودة التعليم.
لم يكن ذلك مفاجئاً بقدر ما كان صادماً، فالجميع يعرف حجم التدهور، لكن رؤيته مكتوبةً بالأرقام كأنها شهادة وفاة لقطاعٍ كان يوماً مصدر فخر ومعبر أمل.
كيف وصلنا إلى هنا؟
لأن التعليم في السودان تُرك في العراء. تُرك بلا حماية، بلا رؤية، بلا قلب.
سنوات من الحرب تناوبت على جسده، حتى صار يشبه مريضاً على سريرٍ بارد، يطلب عوناً ولا يجده.
وصلنا إلى هنا لأن التعليم في السودان تُرك وحيداً في مواجهة العواصف. سنوات من الإهمال المتراكم حولت المدارس إلى أطلال، والمعاهد إلى بناياتٍ بلا روح. المناهج تقادمها الزمن، لا تشبه طلاب اليوم ولا تستجيب لاحتياجات الغد. معلم يعيش تحت خط الكفاف، يكافح ليؤدي رسالة سامية في ظروف لا تليق بكرامته ولا بقيمته. طلاب يتنقلون بين مدارس بلا أسقف، وجامعات مشرّدة تئن تحت وطأة الحرب، انقطاع التمويل، وغياب التخطيط.
لقد حُوِّل التعليم من جسرٍ نحو المستقبل إلى عبءٍ يحمله الناس على أكتافهم بلا سند.
كأن الوطن يقول لنا بصوتٍ مبحوح: “تعبت… لم يعد أبنائي يتعلمون كما يجب، ولمتعد مدارسي تحتمل مزيداً من الانهيار“.
هذا ليس سقوط قطاعٍ واحد، بل سقوط الرافعة التي تقوم عليها كل أمة. سقوطٌ حدث ببطء، قطرة فوق قطرة، حتى تحوّل إلى نهر من الإهمال.
لكن الخروج من التصنيف ليس النهاية… بل جرس إنذار أخير.
هذا التراجع لا يعني أن السودان فقد القدرة على النهوض، بل يعني أن الطريق القديم وصل إلى نهايته، وأن أمامنا خيارين: إما الاستمرار في الانحدار، أو البدء فوراً في إعادة بناء ما تهدّم.
ما الذي يجب فعله الآن… قبل أن يضيع جيل كامل؟
1. خطة إنعاش عاجلة للتعليم الأساسي:
تبدأ بإعادة تأهيل المدارس المتضررة، وتوفير بيئة تعلم كريمة وآمنة.
2. مراجعة شاملة للمناهج:
صياغة مقررات حديثة، مرتبطة بالعصر، تُبنى على مهارات التفكير لا الحفظ، وتستجيب لمتطلبات الاقتصاد والابتكار.
3. إنصاف المعلّم:
رفع الأجور، توفير التدريب المستمر، وتحسين الوضع الاجتماعي والمادي لضمان أن يبقى التعليم مهنة جاذبة لا طاردة.
4. استقلال الجامعات وإصلاح بنيتها:
منحها سلطة إدارة شؤونها، وتوفير موارد كافية للبحث العلمي، وإعادة تشغيل ما توقف بسبب الحرب.
5. إنشاء مجلس وطني للتعليم:
هيئة مستقلة تضع الاستراتيجيات الطويلة الأمد، بعيداً عن التقلبات السياسية والمصالح الضيقة.
السودان لا تنقصه العقول… ينقصه القرار.
هذه البلاد أنجبت العلماء والمفكرين والأطباء الذين حملوا اسمها إلى العالم. وما زالت تنجب، رغم كل شيء. لكن استمرار الانهيار التعليمي يعني أننا نكتب بأيدينا مستقبلًا خالياً من الأمل.
لقد حان الوقت لنعترف: التعليم ليس بنداً ثانوياً، ولا ملفاً يمكن تأجيله. إنه حجر الأساس لكل إصلاح، وبداية كل نهضة.
وإذا كنا نريد غدًا أفضل، فيجب أن نبدأ من الفصل الدراسي، من الطفل الذي يحمل حقيبة مهترئة لكنه يحلم بمستقبل مختلف، ومن المعلم الذي يكتب بالطباشير ما تمنعه عنه السياسة والحرب.
التعليم ليس رفاهية… إنه آخر ما يجب أن يسقط، وأول ما يجب أن يبنى.
فليكن خروج السودان من التصنيف العالمي صدمة توقظنا، لا جرحاً نعتاد عليه.
فليكن بداية الطريق، لا نهايته.
هذا الجرس لا يجب أن يُترك دون استجابة…

